بحث

Vatican News
البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي 

البطريرك الماروني: لماذا لا تؤلّفون حكومة والبلاد دخلت مدار الانهيار النهائي؟ ألا تخافون الله؟

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي القداس الإلهي صباح الأحد الرابع والعشرين من كانون الثاني يناير في كنيسة الصرح البطريركي في بكركي، وألقى عظة استهلها قائلا "نحيي في هذا الأحد إحتفالين: الأوّل ليتورجيّ، هو تذكار الكهنة والأحبار المتوفّين؛ والثاني، كنسيّ هو الإحتفال بأحد كلمة الله الّذي أنشأه قداسة البابا فرنسيس وحدّده في الأحد الثالث بعد الدنح، ورسم أصحاب الغبطة البطاركة أن يتمّ فيه افتتاح أسبوع الكتاب المقدّس. فنصلّي من أجل راحة نفوس الموتى من كهنة وأساقفة وأحبار، ومن أجل إنتشار كلمة الله بغية إيقاظ الإيمان وتثقيفه لدى المؤمنين".

في عظة ألقاها بعنوان "من تراه الوكيل الأمين الحكيم" (لو 12: 42)، قال البطريرك مار بشارة بطرس الراعي "هي كلمة الله اليوم تؤكّد أنّ كلّ صاحب سلطة هو في الأساس موكّل، أكان في الكنيسة، أم في العائلة أم في الدولة. وتؤكّد أيضًا أنّ من واجب الوكيل أن "يقدّم الطعام" للذين أُوكلت إليه خدمتهم. "الطعام" هو الواجب الملقى عليه ليوفّره. ومطلوب منه أن يكون أمينًا تجاه موكّله والجماعة ومسؤوليّته، وحكيمًا يتصرّف بفطنة وبدون لوم". ونقلا عن الموقع الإلكتروني للبطريركية المارونية، أشار غبطته إلى أنه "في الدولة، السلطة السياسيّة موكّلة من الشعب، كما تنصّ مقدّمة الدستور (بند "د")، لكي توفّر له الخير العام الّذي هو "مجمل أوضاع الحياة الإجتماعيّة التي تمكّن الأشخاص والجماعات من تحقيق ذواتهم تحقيقًا أفضل وأسهل" (الكنيسة في عالم اليوم، 26، و 74)؛ ولكي تحمي حقوق الشخص البشريّ وتمكنّه من تأدية واجباته (الإعلان المجمعيّ "في الكرامة البشريّة"، 6). وأضاف غبطته "تعلّم كلمة الله في الكتب المقدّسة أنّ التقدّم والترقّي البشريّ هما خير كبير للإنسان (المرجع نفسه، 37)، وتعلّم أيضًا أنّ السلطة السياسيّة تندرج في الشرع الطبيعيّ. فالله وضع للعالم نظامًا لكي يعيش الناس والشعوب في سلام، ويتفاهموا ويرعوا شؤون مدينة الأرض، وينعموا بالخير والعدل. فكانت السلطة السياسيّة التي تطوّرت عبر مراحل إنشائها وتكوينها وصلاحيّاتها. لذا، إنّ الأشخاص الموكولة إليهم السلطة السياسيّة مدعوّون دائمًا لإستلهام مشيئة الله وتصميمه الخلاصيّ. فهو يريد منهم بحسب المزمور 72: "أن يقضوا بالخير للشعب، وبالإنصاف للضعفاء (الآية 2)". وينذرهم بلسان أشعيا النبيّ: "الويل للذين يشترعون فرائض للإثم والظلم، ليسلبوا حقّ ضعفاء شعبي" (أشعيا 10: 1-2).

وتابع البطريرك الراعي قائلا "في ضوء كلمة الله، كلّنا يسأل: كيف يمكن الإمعان في المواقف السياسيّة المتحجّرة الهدّامة للدولة كيانًا ومؤسّسات دستوريّة؟ بأيّ ضمير وطنيّ، وبأيّ مبرِّر، وبأيّ نوع من سلطان وحقّ، وبتكليف مِن مَن؟ ونسأل المعنيّين: لماذا لا تؤلّفون حكومة والشعب يصرخ من الوجع، ويجوع من الفقر ويموت من المرض؟ لماذا لا تؤلّفون حكومة والـمستشفيات تَضيق بالمصابين، والمستوصفات والصيدليّات تَفتقر إلى الأدوية، والمتاجر تُعْوِزُها الموادّ الغذائيّة؟ لماذا لا تؤلّفون حكومة والأزمة النقديّة والاقتصاديّة بَلغت أوْجَها، والإقتصاد يتلاشى والإنتاج الزراعي يُتلَف؟لماذا لا تؤلّفون حكومة والناس على أبواب المصارف تستجدي أموالها فلا تَجدها؟ لماذا لا تؤلّفون حكومة ومؤسّسات الدولة الكبرى العسكريّة والماليّة والقضائيّة تُضرَب في هيبتها ومعنوياتّها ورجالاتها جرّاء الحملات المبرمَجة والإشاعات المغرِضَة والكيديّة القاتلة؟ لماذا لا تؤلّفون حكومة والحدود سائبة والتهريب جارٍ على حساب لبنان والسيادة منقوصة والاستقلال مُعلَّق والفساد مستشر؟ لماذا لا تؤلّفون حكومة والبَطالة عن العمل وحالة الفقر فاقتا نِصف الشعب؟ لماذا لا تؤلّفون حكومة وقيمة الحدّ الأدنى للأجور تَدنَّت عمليًّا إلى المئة دولار؟ لماذا لا تؤلّفون حكومة والعاصمة بيروت منكوبة والمرفأ مهدَّم وثروات النفط والغاز تحت وضع اليد؟ لماذا لا تؤلّفون حكومة والبلاد دخلت مدار الانهيار النهائي؟ ألا تخافون الله والناس ومحكمة الضمير والتاريخ؟ هل من عاقل يصدّق أن الخلاف هو في تفسير مادّة من الدستور واضحة وضوح الشمس؟ أيّها المسؤولون، الدستور وُضع للتطبيق لا للسجال، وليكون مصدر إتفاق لا مصدر خلاف. أمام التحديّات المصيريّة، ترخص التضحيات الشكليّة، ويكفي أن تكون النيّة سليمة. وفي كلّ حال، المبادرة في هذا الإتجاه ترفع من شأن صاحبها في نظر الناس والعامّة، وتدلّ على روح المسؤوليّة".

قال البطريرك مار بشارة بطرس الراعي "نحن نعتبر أنّه لو كان الحياد قائمًا في لبنان ما كنا لنشهدَ أيّ أزمة دستوريّة، بما فيها أزمة تأليف الحكومة حاليًّا. فعلاوة على المصالح الفئوية التي تَفرِز الأزمات والحروب في لبنان، يبقى السبب الرئيسيّ هو الانحياز وتعدّد الولاءات. وأيُّ مقاربة جديدة لوجودنا اللبنانيّ يجب أن تَنطلق من اعتمادِ الحياد لنحافظ على وجودنا الموحَّد والحرّ والمستقل. إنّ خلاص لبنان يقتضي أن تنظر الأسرة الدوليّة إلى قضيّته بمعزل عن أيّ ارتباط بقضيّة أيّ بلد آخر قريب أو بعيد". وأضاف غبطته "وفيما نهنّئ الرئيسَ الأميركيّ الجديد السيّد جو بايدن بتسلّم مهامّه، ونعوّل على ما يَتميّزُ به من إيمان والتزام بالقيم الروحيّة والإنسانيّة، ومن تحسّسٍ لقضايا الشعوب ومعاناتها وحقوقها وتَوْقِها إلى العدالة والحريّة، نأمل أن ينظر مع إدارته إلى قضيّة لبنان بهذه النظرة، من دون ربطه بأي بلد آخر، وأن يساهم في إبعاده عن الصراعات الإقليميّة، ودعم مشروع حيادِه كمدخلٍ لإستعادة استقراره وازدهاره".

وختم البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي عظته قائلا "إلى الله نرفع دعانا لراحة نفوس الكهنة والأساقفة والأحبار، ولإنتشار الكلمة الإلهيّة نورًا وهداية لكلّ مسؤول في العائلة والكنيسة والدولة. ونرفع المجد والتسبيح للآب والإبن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."

24 يناير 2021, 12:58