بحث

Vatican News
البابا مخاطبا الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات في كاتدرائية الرباط البابا مخاطبا الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات في كاتدرائية الرباط  (AFP or licensors)

البابا يلتقي الكهنة والرهبان والراهبات في كاتدرائية الرباط

عند الساعة العاشرة والنصف بالتوقيت المحلي وصل البابا فرنسيس إلى كاتدرائية الرباط حيث كان له لقاء مع الكهنة والرهبان والراهبات والمجلس المسكوني للكنائس في المغرب الذي يضم الكنائس المسيحية الخمس المتواجدة في البلاد وهي: الكاثوليكية، الأنغليكانية، الإنجيلية، كنيسة الروم الأرثوذكس والكنيسة الروسية الأرثوذكسية.

بعد أن استمع البابا إلى شهادتين، إحداهما لكاهن وأخرى لراهبة وجه كلمة إلى الحاضرين قال فيها:

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

أنا سعيد جدًّا لتمكّني من لقائكم. أشكر بشكل خاص الأب جرمان والأخت ماري على شهادتيهما. أرغب أيضًا في إلقاء التحية على أعضاء المجلس المسكوني للكنائس الذي يُظهر بشكل مرئي الشركة المعاشة هنا في المغرب بين المسيحيين من طوائف مختلفة على درب الوحدة. المسيحيون هم عدد صغير في هذا البلد. لكنَّ هذا الواقع لا يشكّل مشكلة بنظري حتى وإن كنت أقرُّ بأنَّه قد يصبح صعبًا للعيش بالنسبة للبعض. إنَّ وضعكم يذكّرني بسؤال يسوع: "ماذا يُشبِهُ مَلَكوتُ اللهِ وبِماذا أُشَبِّهُه؟... مَثَلُهُ كَمَثَلِ خَميرَةٍ أَخذَتْها امْرَأَة، فجَعلَتْها في ثَلاثَةِ مكايِيلَ مِنَ الدَّقيق حتَّى اختَمَرَت كُلُّها" (لوقا ١٣، ١٨. ٢١). بإعادة صياغة كلمات الرب يمكننا أن نسأل أنفسنا: ماذا يشبه المسيحي في هذه الأراضي؟ وبماذا أُشبِّهه؟ مَثَلُهُ كَمَثَلِ خَميرَةٍ تريد الأم الكنيسة أن تمزجها مع كميّة كبيرة من الدقيق إلى أن تختمر العجينة كلها. في الواقع إن يسوع لم يخترنا ويرسلنا لكي نصبح العدد الأكبر! لقد دعانا من أجل رسالة. وضعنا في المجتمع ككميّة الخميرة الصغيرة تلك: خميرة التطويبات والمحبّة الأخوية التي يمكننا فيها كمسيحيين أن نلتقي لنجعل ملكوته حاضرًا.

هذا يعني، أيها الأصدقاء الأعزاء، أن رسالتنا كمعمّدين وكهنة ومكرّسين لا يحدّدها بشكل خاص العدد أو كميّة المساحة التي نشغلها وإنما القدرة التي نملكها على خلق تغيير ودهشة وشفقة؛ من خلال الأسلوب الذي نعيش فيه كتلاميذ ليسوع وسط الذين نشاركهم الحياة اليومية والأفراح والعذابات والآلام والرجاء (راجع المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور الرعائي "فرح ورجاء"، عدد ١). بمعنى آخر إنَّ دروب الرسالة لا تمرُّ من خلال الاقتناص، الذي يقود على الدوام نحو طريق مسدود، وإنما من خلال أسلوبنا في التعاطي مع يسوع والآخرين. وبالتالي فالمشكلة ليست في أن يكون عددنا قليلاً وإنما في أن نكون تافهين ونصبح ملحًا لا يملك طعم الإنجيل، أو نورًا لا يضيء أبدًا (راجع متى ٥، ١٣- ١٥).

أفكّر بالقلق الذي يظهر عندما ترهقنا نحن المسيحيين فكرة أن نكون مهمّين فقط إن كنا العدد الأكبر وشغَلنا جميع الفسحات. أنتم تعرفون جيّدًا أن الحياة تقوم على القدرة التي نملكها على أن "نُخمِّر" حيث نكون ومع من نكون. حتى وإن كان هذا الامر لا يحمل منافع ملموسة وفوريّة في الظاهر (راجع الإرشاد الرسولي "فرح الإنجيل"، عدد ٢١٠). لأن كوننا مسيحيين ليس اتباعًا لعقيدة ما ولا لهيكل ما ولا لمجموعة عرقيّة. أن تكون مسيحيّ هو لقاء. نحن مسيحيون لأن الله قد أحبّنا والتقى بنا ولسنا ثمار اقتناص. أن نكون مسيحيين هو أن نعرف أنّه قد غُفر لنا وأننا مدعوون للتصرّف بالطريقة عينها التي تصرّف بها الله معنا لأنّه "إذا أَحَبَّ بَعضُكُم بَعضاً عَرَف النَّاسُ جَميعاً أَنَّكُم تَلاميذي" (يوحنا ١٣، ٣٥).

إذ أُدرك الإطار الذي دُعيتم لتعيشوا فيه دعوة معموديتكم وخدمتكم وتكرّسكم تعود على ذهني أيها الأخوة والأخوات الأعزاء كلمات البابا القديس بولس السادس في الرسالة العامة "في كنيسة المسيح": "على الكنيسة أن تدخل في حوار مع العالم الذي تعيش فيه: إنها تجعل نفسها كلمة، تجعل ذاتها رسالة، الكنيسة تجعل نفسها لقاء" (عدد ٦٧). إن التأكيد على أنّه يجب على الكنيسة أن تدخل في حوار لا يتعلّق بموضة ما أو باستراتيجية لزيادة عدد أعضائها. إن كان على الكنيسة أن تدخل في حوار فذلك لأمانتها لربّها ومعلّمها الذي ومنذ البداية، إذ تحركه المحبة، أراد أن يدخل في حوار كصديق وأن يدعونا للمشاركة في صداقته (راج المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي "كلمة الله"، عدد ٢). هكذا كتلاميذ يسوع المسيح، نحن مدعوون منذ يوم عمادنا لنشارك في حوار الخلاص والصداقة هذا الذي نشكّل فيه المستفيدين الأوائل.

يتعلّم المسيحي في هذه الأراضي أن يكون سرًّا حيًّا للحوار الذي يريد الله أن يقيمه مع كل رجل وامرأة مهما كان الوضع الذي يعيشون فيه. حوار نحن مدعوون للقيام به على طريقة يسوع الوديع والمتواضع القلب (راجع متى ١١، ٢٩) بمحبّة، بدون حسابات وحدود، وفي احترام حريّة الأشخاص. بهذا الروح نجد إخوة كبارًا يظهرون لنا الدرب لأنهم شهدوا بحياتهم أن هذا الأمر ممكنًا، إنّه "معيار عالٍ" يتحدانا ويحفزنا. كيف لا نذكِّر بصورة القديس فرنسيس الذي وفي وسط الحروب الصليبية ذهب للقاء السلطان عبد المالك؟ وكيف لا نذكر الطوباوي شارل دي فوكو الذي، وإذ طبعته بالعمق الحياة المتواضعة والخفية ليسوع الناصري، كان يتعبّد لله في صمت وأراد أن يكون "أخًا عالميًّا"؟ أو أيضا أولئك الإخوة والأخوات المسيحيين الذين اختاروا أن يكونوا متضامنين مع شعب حتى بذل حياتهم؟ هكذا عندما تدخل الكنيسة، الأمينة للرسالة التي نالتها من الرب، في حوار مع العالم وتجعل من نفسها لقاء، تشارك في الأخوّة التي لا تجد مصدرها العميق فينا وإنما في أبوّة الله.

كمكرسين نحن مدعوون لنعيش حوار الخلاص هذا كشفاعة لشعب أوكل الينا. أذكر مرّة في حديث لي مع كاهن كان مثلكم في أرض حيث المسيحيين هم أقلّية، كان يخبرني أنّ "صلاة الأبانا" قد اكتسبت فيه صدى مميزًا لأنه وبصلاته وسط أشخاص من ديانات أخرى كان يشعر بقوة كلمات "أعطنا خبزنا كفاف يومنا". إن صلاة المرسل للشفاعة لذلك الشعب، الذي نوعًا ما قد أوكل إليه، لا ليديره وإنما ليحبّه، كانت تحمله ليرفع هذه الصلاة بأسلوب وحماس مميَّزين. إن المكرّس والكاهن يحمل إلى مذبحه وفي صلاته حياة مواطنيه، ويحافظ على قوة الروح القدس المحية حيّة من خلال فتحة صغيرة في تلك الأرض. ما أجمل أن نعرف أنّه، وفي مختلف زوايا هذه الأرض، يمكن للخليقة أن تتوسّل من خلال أصواتكم وأن تقول على الدوام: "أبانا".

إنه حوار يصبح صلاة ويمكننا أن نحققه يوميًّا باسم "الأخوَّة البشريّة التي تعانق جميع البشر وتوحدّهم وتجعلهم متساوين. باسم هذه الأخوَّة التي تمزّقها سياسة التطرف والانقسام وأنظمة الربح والنزعات الإيديولوجية البغيضة التي تتلاعب بتصرفات ومصائر البشر" (وثيقة حول الأخوّة البشرية، أبو ظبي، ٤ شباط ٢٠١٩). صلاة لا تميّز ولا تفصل ولا تهمّش، بل تصبح صدى لحياة القريب؛ صلاة تشفّع قادرة على أن تقول للآب: "ليأتِ ملكوتك". لا بالعنف ولا بالحقد ولا بالهيمنة العرقية والدينية والاقتصادية وإنما بقوة الشفقة التي أفيضت على الصليب لجميع البشر. هذه هي الخبرة التي يعيشها معظمكم.

أشكر الله على ما فعلتموه، كتلاميذ ليسوع المسيح، هنا في المغرب، إذ وجدتم يوميًّا في الحوار والتعاون والصداقة الأدوات لتزرعوا المستقبل والرجاء. هكذا تكشفون وتسلطون الضوء على جميع المحاولات لاستعمال الاختلافات والجهل لزرع الخوف والحقد والنزاع. لأننا نعرف أن الخوف والحق إذا تمّت تغذيتهما وتمّ التلاعب بهما يُفقدان الاستقرار ويتركان جماعاتنا بدون حماية روحيّة.

أشجعكم لغير رغبة أخرى سوى في أن تجعلوا مرئيَّين حضور ومحبة المسيح الذي افتقر ليغنينا بفقره (راجع ٢ كور ٨، ٩): استمروا في الاقتراب من الذين غالبًا ما يتركون في الخلف، من الصغار والفقراء، من المساجين والمهاجرين. لتكن محبّتكم فاعلة على الدوام ولتكن هكذا درب شركة بين مسيحيي جميع الطوائف الحاضرة في المغرب: مسكونية المحبّة. لتكن أيضًا درب حوار وتعاون مع إخوتنا وأخواتنا المسلمين ومع جميع الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة. إنّ المحبة، وبشكل خاص تجاه الأشدّ ضعفًا، هي الفرصة الأفضل التي نملكها لكي نتابع العمل لصالح ثقافة اللقاء. لتكن في النهاية تلك الدرب التي تسمح للأشخاص المجروحين والممتحنين والمهمّشين أن يعترفوا بأنهم أعضاء في العائلة البشرية الواحدة تحت شعار الأخوّة. كتلاميذ ليسوع وبهذا الروح عينه للحوار والتعاون اجتهدوا على الدوام لكي تعطوا إسهامكم في خدمة العدالة والسلام وتربية الأطفال والشباب وحماية ومرافقة المسنّين والضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة والمُضطهدين.

أشكركم أيضًا أنتم جميعًا، أيها الإخوة والأخوات على حضوركم وعلى رسالتكم هنا في المغرب. شكرًا على الثبات في حضوركم المتواضع والخفي، على مثال مسنّينا في الحياة المكرّسة، ومن بينهم أرغب في أن أحيي الأخت إرسيليا. من خلالك أيتها الأخت العزيزة أتوجّه بتحيّة من القلب إلى الأخوات والإخوة المسنّين الذين وبسبب صحّتهم ليسوا حاضرين جسديًّا معنا ولكنّهم متّحدين معنا بواسطة الصلاة.

أنتم جميعًا شهود لتاريخ مجيد لأنه تاريخ تضحيات ورجاء وكفاح يومي وحياة مبذولة في الخدمة والثبات في العمل المتعب، لأن كلَّ عمل ينجز "بعرق الجبين" (راجع الإرشاد الرسولي "فرح الإنجيل"، عدد ۹٦). لكن اسمحوا لي أن أقول لكم: "أنتم لا تملكون فقط تاريخًا مجيدًا ينبغي أن تتذكروه وتخبروا عنه وإنما لديكم أيضًا تاريخًا كبيرًا عليكم أن تبنوه! أنظروا إلى المستقبل الذي يُطلقكم نحوه الروح القدس" (الإرشاد الرسولي، "في الحياة المكرسة"، عدد ١١٠). لتكونوا على الدوام علامة حيّة لتلك الأخوّة التي دعانا الآب إليها، بدون روح تطوّع واستسلام وإنما كمؤمنين يعرفون أن الرب يسبقنا على الدوام ويفتح فسحات رجاء حيث كان يبدو أن شيئًا ما أو أحدًا ما قد ضاع.

ليبارك الرب كلَّ فرد منكم،  ومن خلالكم جميع أعضاء جماعاتكم. ليساعدكم روحه كي تثمروا بوفرة: ثمار حوار وعدالة وسلام وحقيقة ومحبّة لكي تنمو الأخوَّة البشرية هنا في هذه الأرض المحبوبة من الله، ومن فضلكم لا تنسوا أن تصلّوا من أجلي. شكرًا.

(والآن نضع أنفسنا تحت حماية العذراء مريم بتلاوة صلاة التبشير الملائكي)    

31 مارس 2019, 12:30